ذكرى المولد النّبويّ دعوة لإجتماع الكلمة ووحدة الأمّة ونبذ الإنقسام والفرقة - المرجع الدّيني السيد علي الأمين

728x90 AdSpace

عناوين

ذكرى المولد النّبويّ دعوة لإجتماع الكلمة ووحدة الأمّة ونبذ الإنقسام والفرقة

في ميلاد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم
كلمة العلاّمة السيد علي الأمين

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على جميع انبياء الله والمرسلين  وجميع عباده الصالحين  لا سيما المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الاطهار وصحبه المنتجبين الأخيار والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين...

دولة رئيس مجلس الوراء الشيخ سعد الحريري ممثلا بسعادة النائب الدكتور أمين وهبي
  صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد رشيد راغب قباني.
ممثلا بسماحة الاخ العزيز العلاّمة الشيخ خلدون عريمط...
قيادة الجيش ممثلة بالعميد انطوان بشارة...
أصحاب السماحة والسعادة والمقامات والرتب الدينية والرسمية والاجتماعية ...
السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته...
أقدم لكم التهاني والتبريكات بهذه المناسبة المباركة مناسبة ولادة خاتم الانبياء عليه أفضل الصلاة والسلام سائلاً الله تعالى أن يجعل أيامها أيام خير ويمن وبركة على اللبنانيين جميعاً وعلى عموم المسلمين .
وبعد
فقد اعتادت الأمم والشعوب أن تقيم مناسبات لعظمائها ومحطات للمهم من تاريخها واذا كان من عظيم من العظماء، من عظماء البشرية فهو خاتم الانبياء عليه افضل الصلاة والسلام الذي ترك البصمات الخالدات ليس في حياة أمة أو جماعة وإنما في حياة البشرية جمعاء.
 اعتادوا ان يقيموا لعظمائهم المناسبات ولذلك جرت العادة ان نقيم الذكرى لعظيم العظماء في البشرية محمد بن عبد الله عليه وعلى سائر انبياء الله افضل الصلاة والسلام  .
نجعلها مناسبة لناخذ منها الدروس والعبر تربية للأجيال على تلك المعاني والقيم التي جسدها رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام في حياته وفي أمته وفي البشرية جمعاء.
 فهو لم يبعث لقومية أو فئة وإنما بعثه الله تعالى رحمة للعالمين. ولذلك لا يكون مولد العظماء ومناسبة العظماء مناسبة تقتصر على فئة دون أخرى أو على جماعة دون أخرى وانما هي مناسبة للبرية جمعاء، ولذلك قال الشاعر القروي رحمه الله رشيد سليم الخوري في هذه المناسبة...
عيد البرية عيد المولد النبوي...   "عيد البرية"
عيد البرية عيد المولد النبويّ           في المشرقين له والمغربين دوي
عيد النبي ابن عبد الله من طلعت        شمس الهداية من قرآنه العلوي
بدا من القفر نوراً للورى وهدىً          يا للتَّمدن عمّ الكون من بدوي
يا صاحب السيف لم تفلل مضاربه       اليوم يقطر ذلاً سيفك الدموي
يا فاتح الارض ميدانا لقوته               صارت بلادك ميدانا لكل قوي
من كان في ريبة من ضخم دولته        فليتلُ ما في تواريخ الشعوب روي
يا قوم هذا مسيحي يذكركم                لا ينهض الشرق الا حبنا الاخوي
فإن ذكرتم رسول الله تكرمة               فبلغوه سلام الشاعر القروي

هذه الكلمات من معاني الذكرى العامة والشاملة كيف غدا النبي عظيم العظماء وكيف استحق ذلك الوسام الإلهي الرفيع: (وإنك لعلى خلق عظيم)، هذه المكانة الرفيعة التي وصل اليها رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام كانت تواكبها الرعاية الالهية والعناية الربانية منذ ولادته التي شكلت بداية لمسيرة النور التي انطلقت من جزيرة العرب لتحمل هذه الرسالة الى العالم.
 لقد كانت معجزته الاولى قبل القرآن الكريم، هي تلك السيرة الحميدة وتلك الأخلاق الرفيعة التي تصنع من خلال القيادات، التغييرَ والاصلاح.
 ليس التغيير عملا قهريا وانما هو عمل يبتدأ من القناعة الراسخة بتلك القيم التي يجب ان تتحلى بها القيادة.
 في ظل  ذلك المناخ المتخلف أخلاقيا وفي ظل ذلك الانحطات القيمي الذي كان يعيشه مجتمع القبائل العربية آنذاك، يحمل النبي صفة الصادق الأمين. هذه الصفات التي شكلت منطلقا في عملية الإصلاح والتغيير. 
كيف يمكن ان يتحلى بتلك الاخلاق النبيلة شخص ولد في هكذا مجتمع لا يعرف معنى للقيم والاخلاق؟ هذه هي المعجزة.
عندما ذهب المسلمون الاوائل في هجرتهم الى الحبشة وفيهم جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه يساله النجاشي ملك الحبشة بعد ان جاء مشركوا قريش يريدون ان يستعيدون المسلون اللذين قد هاجروا، قال له: ما هو هذا الدين وما هي هذه الرسالة التي آمنتم بها ورفضها قومكم؟
كانوا امة بلا كتاب كانوا امة بلا نظام كانوا امة بلا انتظام في  بوتقة واحدة، ماذا قال له جعفر ؟
قال له جعفر ابن ابي طالب:
 أيها الملك
إنا كنا قوما أهل جاهلية جهلاء، نعبد الاصنام( احجار نعبدها)، نعبد الاصنام وناكل الميتة ونقطع الارحام ونسئ الجوار ونأتي الفواحش، وياكل القوي منا الضعيف ..)
هذه سمات المجتمع آن ذاك ... (انا كنا قوما اهل جاهلية جهلاء نعبد الاصنام  وناكل الميتة ونسئ الجوار ونقطع الارحام وناتي الفواحش وياكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لنوحد الله (قال لنا قولوا لا اله الا الله تفلحوا) فدعانا لنوحد الله ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث واداء الامانة).
 بدأ يذكر جعفر مبادئ الكتاب واسس الدعوة الجديدة  التي آمن بها المهاجرون الاوائل .
(...وامرنا بصدق الحديث واداء الامانة  وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وامرنا ان نعبد الله لا نشرك بإ شيئا وامرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا به ).
عدئذ قال النجاشي هذا ما قراناه في سيرة السيد المسيح عليه السلام.
 إذا الملاحظة أنه في ظل ذلك المناخ الوبيء من القيم والاخلاق، النبي عليه افضل الصلاة والسلام كان الصادق الامين.( فبعث الله رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وامانته وعفافه ).

أن يتحلى بهذه القيم وبهذه المبادئ في ظل ذلك الظلام والظلم المستشري، هي معجزة قبل معجزة القرآن الكريم . يقول احمد شوقي رحمه الله:
يا جاهلين على الهادي ودعوته           هل تجهلون مقام الصادق العلم
هذا الصادق العلم...
فاق البدور وفاق الأنبياء فكم            بالخلق والخلق من حسن ومن عظم
لقيتموه أمين القوم في صغر          وما الأمين على قول بمتهم
هذه العظمة، أن ينهض بتلك الامة التي كانت على شر حال كما يقول علي ابن ابي طالب عليه السلام:( بعث الله محمد صلى الله عليه واله وانتم معاشر العرب على شر حال يغذو احدكم كلبه ويقتل ولده...) كانوا يقتلون الاولاد (واذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت )...
كانت من احوالهم "اصنام معبودة وبنات موؤدة" (وانتم معاشر العرب على شر حال يغذو احدكم كلبه ويقتل ولده تأكلون الميتة والدم يغير على غير ه فيرجع وقد اغير عليه تسفكون دماءكم ويسبي بعضكم بعضا مُنيخون على احجار خشن "عاكفون على هذه الأحجار الخشنة تعبدونها" منيفون على احجار خشب واوثان مضلة تأكلون الجشب وتشربون الماء الآجن تسفكون دماءكم ويسبي بعضكم بعضا فألف الله بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) .
هذه الحال التي كان عليها  العرب، كيف نجحت هذه الدعوة؟
يقولون .. يقول الباحثون بأن النهضة لتحصل في اي أمة من الأمم وفي أي مجتمع من المجتمعات هي بحاجة الى عوامل. لا يكفي أن ترفع شعارا وانما تحتاج الى مجموعة من العوامل لتنهض بأمتك ومجتمعك.
 أنت بحاجة الى الكتاب، الى النظام، الى الدستور الذي تجتمع عليه الكلمة مرجعاً نرجع إليه ونحتكم عند الإختلاف إليه. لذلك عندما قال جعفر نحن كنا أمة بلا كتاب بلا قيم بلا مبادئ بلا نظام ننتظم فيه فجاءنا رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام بتلك التعاليم التي شكلت نظماً لأمرنا ولجماعتنا التي كانت متفرقة  ومفككة.
اذا الكتاب الذي تنتظم به الأمور، يشكل اول مصدر من مصادر النهوض بالأمة والمجتمع في حالة التفكيك .
الأمر الآخر هو الإيمان بذلك الكتاب وبتلك الرسالة. لا يكفي بأن تنجح أمة بوجود كتاب أو رسالة أو نظام أو دستور لها، وإنما تحتاج الى الإيمان بذلك الكتاب تحتاج الى الإيمان بذلك النظام .لأن كتابا بدون إيمان لن يحدث شيئا على صعيد التغيير والاصلاح.
 الأمر الثالث هو الوعي. الوعي لأبعاد ذلك الكتاب، لمقاصد تلك الرسالة، لأهداف تلك الشرعة والشريعة. أن يكون هناك وعي لأنه بدون وعي لن ينفع الإيمان عندئذ شيئاً.
الأمر الرابع القيادة... القيادة التي تؤمن بتلك الرسالة وبذلك الكتاب وبذلك النظام. أما إذا كان القائد لا يؤمن بذلك الكتاب قولاً أو عملاً، فعندئذ أيضا لا يمكن أن تنهض الأمة وأن يتحقق الإصلاح والتغيير لأنه القدوة.
 وهذا ما تحقق للأمة آنذاك، هذه العناصر الأربعة وانضم إليها العنصر الآخر وهو سلوك الاتباع.إيمانهم ووعيهم لمضامين تلك الرسالة، إيمانهم جعلهم يهاجرون الى الحبشة بإيمانهم، اقتنعوا، وإيمانهم ووعيهم هو الذي أسس لنهضة الأمة آنذاك التي تحوّل من الإغارة بعضهم على البعض الآخر، حرب داحس والغبراء، وحرب  البسوس وغيرها مما يذكرنا فيها التاريخ...تحول هذا المجتمع من غزاة إلى حملة رسالة ودعاة.
 اصبحوا دعاة، (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ.. ).  فشكلت عملية الإصلاح والتغيير، جسدوا ايمانهم سلوكا في حياتهم وفي علاقاتهم.
 كانوا دعاة لرسالة وما كانوا طلاب سلطة ومكانة. التحدي الأكبر الذي واجه النبي عليه أفضل الصلاة.والسلام في قومه هو تحدي الفرقة والإنقسام الذي كان سائدا وموجوداً.
 القائد هو الذي يصنع الوحدة لأمته، القائد هو الذي يوقف سفك الدماء في أمته القائد هو الذي يصنع الحياة لأمته.
 جعفر كان يقول كنا "نسفك دماء بعضنا البعض"، "تسفكون دماءكم ويسبي بعضكم بعضا"،مثل داحس والغبراء. الإعجاز أن توحد هذا المجتمع المنقسم والمتفرق والمتشرذم والمتصارع كيف تصنع منه أمة واحدة ومجتمعا واحدا.
 وهذا أنا أقول للحركات الإسلامية ليس التحدي أن تنشيء أحزاب وحركات، التحدي الذي يواجه هذه الحركات هو في قدرتها على توحيد المجتمع والأمة وليس على الصراعات على السلطة والمكانة.
 في عهد رسول الله كانوا دعاة فجاءتهم المكانة وجاءتهم الدنيا. أما ان تتصف هذه الحركة بالدينية او الإسلامية أو غيرها وهي لا تصنع وحدة حتى لأتباعها أو لمجتمعها أو في وطنها هي حركة ساقطة في الإمتحان لأنها في الحقيقة تكون قد تحولت من حركة دعوة وإرشاد إلى حركة باحثة عن السلطة والوجاهة والمكانة.
هذا الصراع الذي نراه في العالم بين حركات اسلامية، نسمع في الصومال في ايران في العراق في افغانستان في لبنان أيضاً من غير شر، طبعاً واذا هي حركات تصنع الفرقة والإنقسام مع أن التحدي الحقيقي الذي واجهه رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام في أن يصنع الوحدة بين أبناء الامة المتباعدة (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته إخوانا).
هذه العظمة قبل الإعجاز القرآني، كيف وحّد هذه الأمة، كيف جمعها. كانوا الأعداء الالدّاء وإذا بهم يصبحون إخوة أحباء، هذه هي العظمة.
 ليس العظمة أن تصبح حاكماً أو وزيراً أو نائباً أو مسؤولاً، عظمة القيادة أن تصنع الإنجاز الأسمى للأمة وأسمى الإنجازات هو إبعادها عن الإنقسامات وهو جعلها أمة واحدة متماسكة ومتعاونة على البر والتقوى ومبتعدة عن الإثم والعدوان ، هذه العظمة .
هذا هو الخطر الذي وقعت فيه الكثير من الحركات الدينية. أنا أذكر في نعومة الاظفار عندما كنا نسمع بالحركات الدينية، كنا نتذكر حركة السلف الصالح في الدعوة والإرشاد والتوجيه.  كان همُّ الحركة الإسلامية أن تأمر بالمعروف، أن تثقف الناس، أن تصنع لهم الوعي والوحدة والإلفة.
أما الآن، صار الهم من يجلب أصواتاً أكثر في صناديق الإقتراع ولو كان هناك صراع واحتراب، لا هذه أصبحت حركات باحثة عن السلطة ليس هدفها الأسمى هو الدعوة الى الله.
 ولذلك عندما يدعو بعضهم الى مُثُلٍ او الى شعارات، إذا لم تكن انت نموذجا لها في حياتك كيف يمكن ان تؤثر في مجتمعك وشعبك ووطنك.
 هذه هي العناصر التي يحتاجها كل مجتمع، يحتاج الى النظام الذي نرجع اليه ونحتكم اليه الي الدستور، نحتاج الى الايمان بذلك النظام ويبتدئ الايمان به من الكبار الذين يرفعون شعارا لا يكفي ان ترفعه شعارا دون ان تجسده عملا في حياتك وحياة اتباعك وانصارك  عندئذ تكون النهضة الحقيقية وعندئذ يكون الاصلاح الحقيقي.
  أسال الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المناسبة مناسبة لإلفتنا ووحدتنا وإبعاد الشرور والانقسامات عنا ونسأله سبحانه وتعالى ان يجعلنا من الذين يستمعون القول  فيتبعون أحسنه وأجدد التهنئة والتبريك لكم جميعا شاكراً رواد الكشاف المسلم على هذه الخطوة المباركة التي جمعتنا في هذه المناسبة المباركة وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
26-02-2010
أوديتوريوم حسانة الداعوق - احتفال الكشاف المسلم في ذكرى المولد النبوي الشريف


ذكرى المولد النّبويّ دعوة لإجتماع الكلمة ووحدة الأمّة ونبذ الإنقسام والفرقة Reviewed by on 9:36 ص Rating: 5 في ميلاد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم كلمة العلاّمة السيد علي الأمين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحي...