مسألة اتحاد الطلب والإرادة - المرجع الدّيني السيد علي الأمين

728x90 AdSpace

عناوين

مسألة اتحاد الطلب والإرادة


مسألة إتحاد الطلب والإرادة 
سؤال:
العلامة آية الله السيد علي الأمين السلام عليكم و رحمة الله وبركاته 
هذه بعض أسئلة موجهة إلى سماحتكم آملين الإستفادة من بحر علمكم وجمال بيانكم....
طالب علم - مدينة قم - إيران

س١- ما هي ماهية مسألة اتحاد الطلب و الارادة وجذورها التاريخية ولماذا ادخلت في بحث مادة الأمر؟
العلاّمة السيد علي الأمين:
ج- اقتضت عملية الإستنباط التي يمارسها الفقيه البحث عن الأدوات والوسائل المستخدمة في تشريع الأحكام والتكليف بها ، ومنها استخدام الأمر مادةً وصيغةً، فبحث علماء أصول الفقه عن دلالة الأمر بشكل عام باعتباره من الآليات التي اعتمدها المشرّع في التكليف والكشف عن تشريعاته ، وهذا البحث الأصولي يساعد الفقيه على تطبيق المعنى العام المستفاد منه على مفردات الأمر الواردة في مصادر الإستنباط من الكتاب والسنة.
ولدى البحث عن مدلول الأمر وإثبات أن الطلب هو أحد معانيه ، جرّ البحث بعض العلماء إلى مسألة أخرى ذات علاقة بمعنى الطلب وهي مسألة( إتحاد الطلب والإرادة )المبحوث عنها في علم الكلام والمتنازع عليها بين المعتزلة والأشاعرة بغرض إثبات صفة الكلام النفسي للخالق وراء الكلام اللفظي كما قال به الأشاعرة الذين التزموا بالمغايرة بين الطلب والإرادة في البحث عن الصفات، حيث قالوا بأن الطلب هو معنى قائم في النفس واحد لا يتغيّر مع تغيّر العبارات، وهذا المعنى النفسي الذي هو الأمر(الطلب) هو غير الإرادة، لأنه قد يأمر الرجل بما لا يريده ، كما لو أمر المولى عبده اختباراً لطاعته بقوله له: إذهب إلى السوق ، وهو لا يقصد الإتيان بالمأمور به حقيقة.
- الطلب الإنشائي والطّلب الحقيقي:
وقد قال صاحب الكفاية رحمه الله باتحاد الطلب والإرادة وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للأشاعرة، وأراد من ذلك أن ينفي ثبوت صفة أخرى غير الإرادة في مقام الطلب تسمى بالكلام النفسي ، فحيث يكون هناك طلب تكون هناك إرادة.
وقد استدل على قوله بأن ما أوهم القائلين بالتغاير بين الطلب والإرادة هو مغايرة الطلب الإنشائي مع الإرادة الحقيقية كما هو في المثال الذي ذكروه عن أمر المولى عبده بما لا يريد اختباراً لطاعته، فإن الطلب الموجود في المثال هو طلب إنشائي وليس طلباً حقيقةً ، وانتفاء الطلب حقيقةً يتطابق مع انتفاء الإرادة الحقيقية وهذا يدل على التوافق بينهما وليس على التغاير !. والحاصل أن التغاير بين شيئين يكون بلحاظ عالمٍ واحد كعالم الإنشاء وحده أو عالم الحقيقة وحده وليس بلحاظ عالمين مختلفين بالإنشاء من طرف والحقيقة من طرف آخر لأن هذا النحو من التغاير- مضافاً إلى كونه من البديهيات- لا يثبت المطلوب .
والحاصل أن المطلوب هو إثبات التغاير بين الطلب والإرادة، وهو لا يثبت بانتفاء الإرادة الحقيقية في المثال المذكور، وإن مراجعة الوجدان في مقام الطلب تغني عن البرهان ، حيث لا يجد المرء في أفق النفس عند الطلب غير الإرادة بمبادئها ، فكل من طلب شيئاً حقيقةً فقد أراده كذلك، وكل من لم يرد شيئاً حقيقةً فهو لم يطلبه كذلك.
-الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية
- وعلى رأي صاحب الكفاية رحمه الله باتحاد الطلب مع الإرادة يرد تساؤل، وهو أن الإرادة من خصائصها عدم تخلّف المراد عن الإرادة بالنسبة إلى الله سبحانه تعالى حيث يقول : (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) مع أن المشاهد في الطلب- المتحد مع الإرادة كما تقولون- تخلّف المطلوب عن الطلب كثيراً! وعلى ما تقدم يقال: كيف يصح تكليف أهل الكفر والعصيان بالإيمان والعمل بالأركان؟ وكيف يكون ذلك مراداً منهم مع عدم تحققه في الخارج؟.أو أن تلتزموا بعدم جدّية التكليف المتعلق بهم ، ولذلك لم يتحقق المراد!
فأجاب صاحب الكفاية عن ذلك : بانقسام كل من الطلب والإرادة إلى التكويني والتشريعي، فكما لا تخلّف للمراد في موارد الإرادة التكوينية التي يعمل فيها المولى قدرته ، كذلك لا تخلّف للمطلوب في موارد الطلب التكويني.وما نراه من تخلّف للمطلوب في الأوامر والنواهي إنما هو في الطلب التشريعي المتحد مع الإرادة التشريعية حيث لا يعمل المولى قدرته الغالبة لقدرة المكلَّف.فالتخلّف يمكن حصوله في الإرادة التشريعية كما في الطلب التشريعي باعتبار أن صدورهما من المولى بلحاظ كونه مشرّعاً آخذاً لقدرة المكلف على الفعل والترك وهي التي تدور مصلحة التكليف مدارها وجوداً وعدماً.
والحاصل أن الإرادة التشريعية والطلب التشريعي يحصلان من المولى بإصدار الأوامر والنواهي الشرعية وهما غير سالبين لقدرة المكلّف واختياره ، ولذلك يحصل التخلّف للمراد وللمطلوب في كليهما. وأما الإرادة التكوينية والطلب التكويني الصادران من الله بوصفه خالقاً لا بوصفه مشرّعاً فلا يحصل التخلّف في ساحتيهما لوجود قدرة الله المطلقة والغالبة (والله غالب على أمره). وما يعبّر عنه التكليف هو الإرادة التشريعية غير السالبة للقدرة والإختيار، وبها تتم صحة التكليف، فلا إشكال.
-الجبر والإختيار
-وهنا تطرق صاحب الكفاية إلى مسألة الجبر والإختيار لمناسبة البحث عن الإرادة ، فذكر أنه إذا كان من خصائص الإرادة التكوينية عدم تخلّف المراد عنها، والإرادة التشريعية المتعلقة بفعل العبد ليس لها ذلك ،فلو اتفقت الإرادتان أو اختلفتا فلا محيص عن وقوع الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الإنسان، لأن الإرادة التشريعية مغلوبة بالقدرة التكوينية ! وهذا يؤدي إلى مذهب الجبر ونفي الإختيار ، ومع نفي الإختيار لا يصح التكليف عقلاً !
وقد أجاب صاحب الكفاية عن ذلك : بأن إرادة المولى تعلقت بفعل العبد الصادر عن اختيار، ولا بدّ حينئذٍ من صدور الفعل بالإختيار لأن إرادة المولى قد تعلّقت به كذلك ، ولا يتخلّف المراد عن إرادته سبحانه وتعالى ، ولا بدّية الصدور هذه لا تتنافى مع الإختيار المعتبر في التكليف عقلاً ، لأنها إرادة في طول إرادة العبد واختياره رتبةً فلا تكون سالبةً لهما، ولا مانعة من التكليف.
ثمّ أورد صاحب الكفاية إشكالاً على صدور الكفر والعصيان من الكافر والعاصي بالإرادة السابقة رتبةً على إرادة المولى ، وحاصله : أن هذه الإرادة منهما وإن كانت سابقة رتبة بلحاظ كونها متعلَّقاً لإرادة المولى ، ولكنها بلحاظ عالم الوجود هي مسبوقة بالإرادة الأزلية والمشيئة الإلهية ومعلولة لهما، ومع هذا اللحاظ الذي لا يمكن إغفاله ،كيف تصح العقوبة على فعل ينتهي وجوده إلى سبب خارج عن الإختيار ؟
وأجاب صاحب الكفاية عن هذا الإشكال بأن العقاب واقع على الكفر والعصيان الناشئين من الإختيار، وهذا المقدار كافٍ في صحة استحقاق العقاب، ولا يضرّ بذلك أن يكون الباعث لهذا الإختيار السيء ناشئاً بدوره عن مقدمات صدرت عن شقاوتهما الذاتية الملازمة لذاتهما، فإن السعيد سعيد في بطن أمّه، والشقيّ شقيّ في بطن أمّه، والناس معادن كمعادن الذهب والفضّة كما ورد في بعض الأخبار، فإن ذهبية الذهب قائمة بذاته كالشقيّ وشقاوته التي لا تكاد تنفكّ - بما هو شقيّ - عن ذاته، وما كان من الذّاتيّات أو ملازماً للذّات لا يعلّل بعلّة أخرى غير علّة الذّات (1). هذا هو المتحصّل من كلامه أعلى الله مقامه، ولعلّه لعدم اقتناعه بما ذكره أخيراً في هذه المسألة الشائكة أو لعدم مزيد الخوض في أعماقها أنهى الكلام فيها وقال باللغة الفارسية ( قلم إينجا رسيد وسَرْ بِشِكَسْت) وهي تعني بالعربية ما معناه : وصل إلى هنا القلم وانكسر رأسه. هذا ما أردنا إيضاحه في هذا البحث من كتاب كفاية الأصول استجابة للسؤال وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.

(1)  ولعله لعدم اتضاح المقصود من كلام صاحب الكفاية اعترض غير واحد من العلماء الأعلام على ما انتهى إليه في بحثه هذا عن مسألة الجبر والإختيار، ومما ذكروه في تعليقاتهم على الكتاب وأبحاثهم اعتراضاً على ذلك : أن إرجاع سوء الإختيار إلى شقاوته الذاتية لا يستوجب حلّ الإشكال باستحقاق العقاب على أمرٍ خارج عن الإختيار، بل على هذا المقال يستحكم الإشكال ويلزم منه الجبر لا محال !.
ولكن الذي يبدو -من خلال التدقيق فيما ذكره صاحب الكفاية رحمه الله- أن الشقاوة التي كانت منشأً لاختيار الكفر والعصيان وإن كانت من ذاتيات الشقيّ ، ولكنها ليست علّة تامّة له ، بل هي بمثابة المقتضي للفعل المحتاج إلى إعمال الإرادة وعدم وجود ما يمنع من تحقق الأثر، فلا يكفي لتحقق الإحتراق مجرد كون الإحراق من ذاتيات النار، كذلك يقال : لا يكفي لتحقق الكفر والعصيان مجرد كون الشقاوة من الذاتيات للشّقيّ .
وعلم الله سبحانه وتعالى بصدور ذلك منه وإن كان يستلزم ضرورة حصول المعلوم وإلا انقلب العلم جهلاً ! وهو مستحيل في حقّه سبحانه وتعالى. ولكنه يقال بأن العلم ليس من أسباب وجود المعلوم كما لا يخفى. فهو نظير علم الأستاذ بفشل الطالب ورسوبه قبل دخوله في الإمتحان لاطلاعه على تسويفه وإهماله لدروسه.وهذا يعني أن دور العلم هو الكشف عن المعلوم وحضوره لدى العالم.ولا يلزم من ضرورة صدور المعلوم عن العبد أن يكون العبد مسلوب الإرادة والإختيار لأن المعلوم كان هو الفعل الصادر عنهما. 
وبالجملة فإن خلق الكائن المختار وإن لم يكن للمخلوق فيه اختيار ولكنه لا يتنافى مع صدور الفعل منه بالإختيار، وهذا ما يكفي في صحّة التكليف واستحقاق العقاب على مخالفته، وبذلك يندفع الإشكال.
ولمزيد التوضيح في المقام نذكر بعض الروايات التي تعرضت إلى جوانب من هذه المسألة بعيداً عن مصطلحات الفلسفة وعلم الكلام كما يشير إلى ذلك قول الإمام علي : للسائل لما سأله: أَكان مسيرنا إِلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره:
طوَيْحَكَ! لَعَلَّكَ ظَنَنْتُ قَضَاءً لاَزِماً، وَقَدَراً حَاتِماً ! وَلَوْ كَانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ والْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ.
إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً، وَلَمْ يُرْسِلِ الاَْنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، وَلاَ خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً، (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ).
وقد أخذ الجدل في مسألة الجبر والإختيار والقضاء والقدر حيّزاً مهمّا في علم الكلام انتقلت آثاره إلى عالم السياسة والمجتمع كما يظهر من بعض الروايات التي نقلها صاحب كتاب الطرائف عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو بن عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري: أن أحسن ما انتهى إلي ما سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)إنه قال:(أتَظنّ أن الذي نهاك دهاك؟وإنما دهاك أسفلك وأعلاك، والله بريء من ذاك).
وكتب اليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)(لو كان الزور في الأصل محتوماً لكان المزوِّر في القصاص مظلوماً).
وكتب إليه واصل بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)(أيَدُلُّكَ على الطريق ويأخذ عليك المضيق ؟).
وكتب إليه الشعبي :أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)(كلَّما استغفرتَ منه فهو منك، وكلّما حمدتَ الله عليه فهو منه). فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال: لقد أخذوها من عينٍ صافية .انتهى. 
وعسى أن نكون بما قدّمناه قد اتضح مقصود صاحب الكفاية لإخوتنا الطلاب الأعزاء ، ومن الله نستمد العون والتوفيق.
مسألة اتحاد الطلب والإرادة Reviewed by on 1:49 م Rating: 5 مسألة إتحاد الطلب والإرادة  سؤال: العلامة آية الله السيد علي الأمين السلام عليكم و رحمة الله وبركاته  هذه بعض أسئلة موجهة إلى سم...